الشيخ محمد الفيومي

شيخ المنشدين وعَلَمُ الابتهالات والتواشيح الدينية في مصر

يُعَدّ الشيخ محمد أحمد الفيومي واحدًا من أبرز أعلام الإنشاد الديني والابتهالات في مصر خلال القرن العشرين، وأحد الأصوات التي تركت أثرًا عميقًا في وجدان المستمع المصري والعربي. جمع بين الثقافة الأزهرية، وحفظ القرآن الكريم، وإجادة التواشيح والابتهالات، حتى استحق عن جدارة لقب “شيخ المنشدين”، وأصبح من أهم رموز هذا الفن الروحي الأصيل.

وُلد الشيخ محمد الفيومي في حي الجمالية بمحافظة القاهرة يوم 25 مارس 1905، في بيئة دينية وعلمية، وكان والده من علماء الأزهر الشريف ويعمل في تصحيح اللغة العربية. وقد وُلد الشيخ الفيومي كفيفًا فاقد البصر، غير أن فقدانه نعمة البصر لم يكن عائقًا أمام مسيرته، بل عوّضه الله بصوت شجيّ عذب، وذاكرة قوية، وأذن موسيقية مرهفة، وإرادة صلبة مكنته من أن يشق طريقه إلى المجد.

التحق بالأزهر الشريف وهو في نحو العاشرة من عمره، وهناك حفظ القرآن الكريم وتلقى أصول التجويد والقراءة على يد الشيخ حسن الجريسي، فتكوّن لديه منذ صغره أساس ديني وعلمي متين. ولم يقتصر اهتمامه على التلاوة فحسب، بل انجذب أيضًا إلى الألحان الشرقية والموشحات، وكان معجبًا بألحان الموسيقار داود حسني، فحفظ جانبًا كبيرًا منها، ما جعله يجمع بين تجويد القرآن الكريم والإنشاد الديني والموشحات.

وتذكر الروايات أن داود حسني استمع إليه في إحدى المناسبات، فأدرك ما في صوته من خصوصية، ونصحه بالتفرغ للإنشاد الديني، لأنه الأنسب لخامة صوته وموهبته، فاستجاب الشيخ الفيومي لهذه النصيحة، وبدأ رحلة التعمق في عالم الابتهالات والتواشيح، مستفيدًا من كبار أعلام هذا الفن، وفي مقدمتهم الشيخ علي محمود الذي تأثر به كثيرًا، كما استمع إلى الشيخين إسماعيل شكر وسيد موسى، وحفظ أعمالهما واستفاد من أساليب أدائهما.

سرعان ما لمع اسم الشيخ محمد الفيومي في الأوساط الدينية والفنية، وذاعت شهرته قارئًا ومنشدًا ومبتهلًا، حتى اعتبره كثيرون الامتداد الطبيعي للشيخ علي محمود بعد وفاته عام 1946. وقد تولى بعد ذلك مهمة الأذان في مسجد الإمام الحسين خلفًا للشيخ علي محمود، وهو ما يعكس المكانة الكبيرة التي بلغها في عالم التلاوة والإنشاد.

وفي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، تربع الشيخ الفيومي على عرش الإنشاد الديني، وأصبح من كبار المبتهلين في الإذاعة المصرية، خاصة بعد انضمامه إليها سنة 1945، في العصر الذهبي للإذاعة، حيث انتشر صوته في أنحاء مصر والعالم العربي، وارتبط لدى الجمهور بالأجواء الروحية والمناسبات الدينية. ومن أشهر ما عُرف به من الابتهالات والتواشيح:
أمدح المكمل، نبي الهدى، نسب شريف، هتف الطير، أصاحب آمالي، كل ما في رحاب الكون، يا سيد الخلق، يا أرشد داع.

وقد تميز الشيخ محمد الفيومي بأسلوب إنشادي فريد، جمع فيه بين الخشوع الأزهري والعذوبة الفنية، فكان صوته قادرًا على ملامسة القلوب وإثارة المشاعر الروحية في نفوس المستمعين. ولم يكن مجرد منشد ديني يؤدي النصوص، بل كان صاحب حضور مهيب وأداء مؤثر، حتى إن صيته نافس كبار المطربين في زمانه، مع احتفاظه بطابعه الديني الأصيل.

ومن الجوانب اللافتة في مسيرته أنه كان من أوائل، بل ويُنظر إليه بوصفه أول أزهري يقدم التواشيح والابتهالات الدينية في بعض الأعمال السينمائية. فقد استعان به كبار المخرجين لتصويره وهو يؤدي الإنشاد الديني بشخصيته الحقيقية، فشارك في فيلم «عزيزة» سنة 1954، ثم في فيلم «رصيف نمرة خمسة» سنة 1956. وقد كانت هذه المشاركات علامة مهمة في تاريخ السينما المصرية، لأنها نقلت فن الابتهال والتواشيح من الإطار التقليدي إلى شاشة السينما، وأسهمت في تعريف جمهور أوسع بهذا الفن الرفيع.

ولم تتوقف عطاءات الشيخ الفيومي عند حدود الأداء والإنشاد، بل امتدت إلى حفظ التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة. ففي مطلع السبعينيات، عهد إليه الموسيقار عبد الحليم نويرة، مؤسس فرقة الموسيقى العربية، بمهمة الإشراف على تعليم وتحفيظ جيل جديد من الشباب فن التواشيح والإنشاد الديني، في خطوة هدفت إلى حماية هذا التراث من الاندثار، وإعادة تقديمه بصورة تحفظ أصالته وتناسب العصر.

أما على المستوى الإنساني، فقد اشتهر الشيخ محمد الفيومي بحسن المعشر، وسرعة البديهة، والتسامح، والصدق، وحب الوطن، وهي الصفات التي جعلته موضع احترام وتقدير من الجميع. وكان بيته مقصدًا للأصدقاء والفنانين والمبدعين، كما عُرف بمساندته للفقراء والمحتاجين، وإنفاقه من ماله الخاص في وجوه الخير وعلاج المرضى ومساعدة الضعفاء، فجمع بين جمال الصوت ونبل الخلق.

وقد اختلفت بعض المراجع في تحديد سنة وفاته، إذ أشارت بعض المصادر إلى أواخر السبعينيات، بينما ذهبت أخرى إلى الثمانينيات. غير أن التاريخ الأرجح والأشهر هو أن الشيخ محمد الفيومي توفي يوم 10 أبريل 1988، عن عمر ناهز 83 عامًا، بعد حياة حافلة بالعطاء الفني والديني والإنساني.

لقد ظل الشيخ محمد الفيومي اسمًا لامعًا في تاريخ الإنشاد الديني المصري، وصوتًا من الأصوات التي حفظت لهذا الفن هيبته ومكانته. فهو لم يكن مجرد مبتهل أو منشد، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، جمعت بين العلم الأزهري، والذوق الفني، والرسالة الروحية، والإحساس الوطني والإنساني. ومن هنا بقي حضوره حيًا في الذاكرة الثقافية المصرية، بوصفه واحدًا من أعظم من حملوا لواء التواشيح والابتهالات في القرن العشرين.