حطام الفضاء يهدد سلامة الطيران… خطر جديد يتساقط من المدار

دقّ خبراء في مجالَي الطيران والفضاء ناقوس الخطر بشأن تصاعد تهديد غير تقليدي قد يواجه حركة الطيران التجاري خلال السنوات المقبلة، يتمثل في تزايد أعداد الأقمار الصناعية الخارجة عن الخدمة وبقايا الصواريخ التي تعود إلى الغلاف الجوي دون تحكم، ما قد يؤدي إلى تعطيل الرحلات الجوية على نطاق واسع، بطريقة تشبه تأثير العواصف الجوية أو الرماد البركاني.
وتشير دراسة علمية حديثة أعدّتها جامعة كولومبيا البريطانية عام 2025 إلى أن احتمال دخول حطام فضائي غير مُسيطر عليه إلى الغلاف الجوي فوق مناطق تشهد كثافة عالية في حركة الطيران يصل إلى نحو 26% خلال عام واحد فقط. كما تتوقع نماذج بحثية أخرى أنه بحلول عام 2030 قد تواجه طائرة تجارية خطر الاصطدام بحطام فضائي بمعدل رحلة واحدة من كل ألف رحلة.
وبحسب الباحثين، فإن الخطر الأكبر لا ينبع من الأجسام الفضائية الضخمة، مثل بقايا الصواريخ أو الأقمار الصناعية الكبيرة، بل من الشظايا الصغيرة التي تنجو جزئيا من الاحتراق أثناء العودة إلى الغلاف الجوي. وتشمل هذه الشظايا أجزاء معدنية وخزانات وقود وجسيمات دقيقة، تمر بسرعات هائلة عبر الارتفاعات التي تحلّق فيها الطائرات التجارية، والتي تتراوح عادة بين 30 و40 ألف قدم.
وفي هذا السياق، أوضح بنجامين فيرجيلي باستيدا، مهندس أنظمة حطام الفضاء في وكالة الفضاء الأوروبية، أن حتى القطع الصغيرة جدا من الحطام يمكن أن تشكل خطرا بالغًا على الطائرات، مشبّهًا تأثيرها بتأثير الرماد البركاني، حيث قد تؤدي الجسيمات الدقيقة إلى تلف محركات الطائرات أو الإضرار بأنظمة الملاحة وهيكل الطائرة.
وسبق أن تجسدت هذه المخاطر بشكل عملي في نوفمبر 2022، عندما اضطرت إسبانيا إلى إغلاق جزء كبير من مجالها الجوي عقب عودة غير متحكَّم فيها للمرحلة الأساسية من الصاروخ الصيني “لونغ مارش 5B”. وأسفر القرار حينها عن تأخير وتحويل وإلغاء أكثر من 300 رحلة جوية، في ظل غياب تقديرات دقيقة لمسار سقوط جسم يزن قرابة 20 طنًا.
ويرى مختصون أن ضعف التنسيق الدولي، إلى جانب محدودية القدرة على التنبؤ الدقيق بموعد ومكان إعادة دخول الحطام الفضائي، يضع سلطات الطيران أمام خيارات صعبة، إما تعطيل الملاحة الجوية على مساحات واسعة بتكلفة اقتصادية كبيرة، أو الإبقاء على الأجواء مفتوحة مع تحمّل مخاطر محتملة على سلامة الطيران.
وفي محاولة لمعالجة هذه التحديات، تعمل هيئات وطنية ومنظمات دولية، من بينها إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية ومنظمة الطيران المدني الدولي، على تطوير نماذج تنبؤ أكثر دقة، واعتماد إغلاقات جوية محدودة وذكية بدلاً من الإغلاقات الشاملة. كما تخطط وكالة الفضاء الأوروبية لإطلاق مهمة بحثية عام 2027 تهدف إلى جمع بيانات تفصيلية حول كيفية تفكك الأقمار الصناعية الصغيرة أثناء عودتها إلى الغلاف الجوي.
ويجمع الخبراء على أن وضع معايير دولية واضحة وموحدة لتقييم مخاطر حطام الفضاء وآليات التعامل معه أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل، محذرين من أن تجاهل هذه القضية قد يجعل تأخيرات الرحلات الجوية بسبب ما يُعرف بـ”طقس الفضاء” أمرًا معتادًا في المستقبل القريب.