شروق.. قصة مليوني دولار تحولت إلى إمبراطورية استثمارية بالمليار

في عالم رأس المال الجريء، لا تُقاس قصص النجاح فقط بالشركات الناشئة التي تتحول إلى شركات بمليارات الدولارات، بل أحيانًا بالصناديق الاستثمارية التي تكتشف تلك الشركات قبل أن يعرفها الجميع.
ومن أبوظبي، ظهرت واحدة من أبرز هذه القصص في المنطقة: Shorooq «شروق»، التي بدأت رحلتها عام 2017، ثم توسعت خلال أقل من عقد لتتحول من شركة تركز على رأس المال الجريء إلى منصة استثمارية متعددة الاستراتيجيات تدير أصولًا تتجاوز قيمتها مليار دولار.
البداية من أبوظبي
تأسست شروق عام 2017 على يد محمود عدي (Mahmoud Adi) وشين شين (Shane Shin)، انطلاقًا من رؤية تقوم على وجود فرصة كبيرة غير مستغلة في الشركات الناشئة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
كانت الفكرة تتجاوز مجرد تمويل الشركات؛ فالمنطقة كانت تشهد ظهور جيل جديد من رواد الأعمال، لكن الكثير من المشروعات الواعدة كان بحاجة إلى رأس المال والخبرة والشبكات التي تساعدها على الانتقال من فكرة محلية إلى شركة قادرة على التوسع.
وبحسب شروق، بدأت الشركة بأصول مُدارة تبلغ نحو مليوني دولار فقط. واليوم تعلن أن أصولها تحت الإدارة تجاوزت مليار دولار.
وهذا يعني أن حجم الأصول التي تديرها أصبح أكثر من 500 ضعف المستوى الذي بدأت به عام 2017.
من هما مؤسسا شروق؟
يمتلك محمود عدي خلفية استثمارية وصناعية لافتة؛ إذ أمضى نحو عقد في شركة مبادلة للاستثمار، وشارك خلال مسيرته في أعمال مرتبطة بقطاعات التكنولوجيا والتصنيع والصناعة، بما في ذلك صفقات ومشروعات مرتبطة بـ GlobalFoundries وAMD والإمارات العالمية للألمنيوم.
كما أن عدي ليس مستثمرًا فقط، فهو أحد مؤسسي Pure Harvest Smart Farms، الشركة الإماراتية المتخصصة في الزراعة باستخدام تقنيات البيئة المتحكم بها.
أما شين شين، فقد عمل سابقًا لدى مؤسسات مالية واستثمارية من بينها UBS وTD Securities وLazard وGlobalFoundries، ودرس المالية واللغة الصينية في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا.
هذا المزيج بين الخبرة الاستثمارية العالمية والمعرفة بالسوق الإقليمي أصبح جزءًا أساسيًا من هوية شروق.
أكثر من مجرد صندوق رأس مال جريء
بدأت شروق كشركة رأس مال جريء تركز على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لكنها لم تتوقف عند هذا النموذج.
فالشركة تعمل اليوم عبر مجموعة من الاستراتيجيات الاستثمارية تشمل رأس المال الجريء، والأسهم الخاصة، والائتمان، والأصول الحقيقية.
وبذلك أصبحت أقرب إلى منصة لإدارة الاستثمارات البديلة بدلًا من كونها مجرد صندوق يبحث عن الشركات الناشئة في مراحلها الأولى.
وتقول شروق إنها تستثمر في الشركات بداية من مرحلة Seed مرورًا بالجولة الاستثمارية Series A وحتى شركات النمو، كما أنها لا تحصر استثماراتها في قطاع واحد.
أكثر من 100 شركة في المحفظة
تعرض شروق اليوم محفظة تضم أكثر من 100 شركة، تنتمي إلى أسواق وقطاعات مختلفة.
ومن بين الأسماء المعروفة في محفظتها شركة Tamara السعودية المتخصصة في خدمات «اشتر الآن وادفع لاحقًا»، وشركة NymCard الإماراتية للبنية التحتية للمدفوعات، ومنصة الاستثمار وإدارة الثروات Sarwa، وشركة الزراعة التقنية الإماراتية Pure Harvest.
وتشمل المحفظة كذلك Lendo السعودية المتخصصة في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وBreadfast المصرية، والمنصة العقارية المصرية Nawy، إلى جانب PRYPCO الإماراتية.
واللافت أن استثمارات شروق لم تعد محصورة في الشركات الإقليمية فقط؛ إذ تظهر ضمن محفظتها أيضًا شركة البرمجيات والذكاء الاصطناعي الأمريكية Replit.
التكنولوجيا في قلب استراتيجية شروق
رغم تنوع استثمارات الشركة، يبقى قطاع التكنولوجيا حاضرًا بقوة في محفظتها.
فالتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي والتقنيات العميقة، والمنصات الرقمية، والتكنولوجيا العقارية، والزراعة التقنية وغيرها، تمثل مجالات واضحة في اختيارات شروق الاستثمارية.
ويكشف ذلك عن فلسفة لا تبحث فقط عن شركة تحقق نموًا سريعًا، وإنما عن قطاعات يمكن للتكنولوجيا أن تغير طريقة عملها بالكامل.
جسر بين الشرق الأوسط والأسواق العالمية
هناك جانب آخر في قصة شروق يتجاوز الاستثمار المباشر في الشركات، وهو محاولة ربط منظومة الشركات الناشئة في الشرق الأوسط برؤوس الأموال والأسواق العالمية.
وبرز بصورة خاصة نشاط الشركة في بناء روابط استثمارية بين الشرق الأوسط وكوريا الجنوبية وآسيا، مستفيدة من الخلفية الدولية لفريقها وشبكة علاقاتها.
وهنا تصبح أبوظبي نقطة انطلاق وليس حدودًا جغرافية للشركة.
من مليوني دولار إلى أكثر من مليار
ربما يكون الرقم الأكثر اختصارًا لقصة شروق هو الانتقال من مليوني دولار من الأصول تحت الإدارة عند البداية إلى أكثر من مليار دولار حاليًا.
لكن خلف الرقم تحول أكبر.
فالشركة التي بدأت بهدف تمويل الشركات الناشئة في المنطقة أصبحت اليوم تعمل عبر مراحل مختلفة من عمر الشركات وعبر أدوات استثمارية متعددة، بينما توسعت محفظتها إلى أكثر من 100 شركة.
وتعكس قصة شروق في الوقت نفسه التحول الذي شهدته بيئة الاستثمار في الإمارات والمنطقة خلال السنوات الأخيرة؛ فبدلًا من أن تكون الشركات الناشئة في الشرق الأوسط مجرد وجهة لرأس المال القادم من الخارج، بدأت المنطقة نفسها في إنتاج شركات وصناديق استثمار تسعى إلى المنافسة عالميًا.
وبعد أقل من عشر سنوات على تأسيسها، تبدو رحلة شروق مثالًا واضحًا على ذلك التحول: شركة بدأت من أبوظبي برأس مال مُدار محدود، ثم بنت محفظة تمتد من الشركات الناشئة الإقليمية إلى شركات التكنولوجيا العالمية.
والسؤال الآن ليس فقط إلى أي حجم يمكن أن تصل أصول شروق تحت الإدارة، وإنما: هل نشهد من أبوظبي ولادة واحدة من منصات الاستثمار العالمية الكبرى في المستقبل؟