ما هو OpenDoc؟ مشروع Apple الطموح الذي اختفى من عالم البرمجيات

قبل أن تصبح التطبيقات بالشكل الذي نعرفه اليوم، حاولت Apple في تسعينيات القرن الماضي تقديم تصور مختلف تمامًا لطريقة استخدام البرامج. كان هذا التصور يحمل اسم OpenDoc، وهو المشروع الذي عاد اسمه إلى الواجهة بسبب السؤال الشهير الذي وُجّه إلى ستيف جوبز عام 1997.
فما هو OpenDoc؟ ولماذا كان مهمًا؟ ولماذا تخلت عنه Apple؟
ما هو OpenDoc؟
OpenDoc هو إطار برمجي قائم على فكرة البرمجيات المكوّنة من أجزاء مستقلة (Component Software).
الفكرة الأساسية كانت أن المستخدم لا يحتاج دائمًا إلى تشغيل تطبيق ضخم للقيام بمهمة معينة. بدلًا من ذلك، يمكن أن يتكون المستند نفسه من مجموعة مكونات، يؤدي كل منها وظيفة محددة.
على سبيل المثال، يمكن أن يحتوي مستند واحد على نص وصورة وجدول بيانات ورسم بياني، بينما يتولى كل جزء مكوّن برمجي متخصص في التعامل معه.
أي أن التركيز ينتقل من «التطبيق» إلى «المستند ومكوناته».
كيف كانت الفكرة تعمل؟
لنفترض أنك تعد تقريرًا وتريد إضافة جدول بيانات إليه.
في النموذج التقليدي، قد تعمل على البيانات باستخدام برنامج جداول بيانات ثم تنقلها إلى برنامج معالجة النصوص.
أما فلسفة OpenDoc فكانت تقوم على إمكانية إدخال مكوّن متخصص بالجداول داخل المستند نفسه، بحيث يعمل هذا المكوّن في مكانه إلى جانب المكونات الأخرى.
كانت الفكرة طموحة للغاية بالنسبة إلى فترة التسعينيات، خصوصًا أن التطبيقات آنذاك كانت أكثر انعزالًا عن بعضها مقارنة بما نراه اليوم.
هل كان OpenDoc من تطوير Apple وحدها؟
لا.
ارتبط تطوير OpenDoc بتحالف ومجموعة من الشركات التقنية، وكانت Apple وIBM من أبرز الجهات المشاركة فيه، إلى جانب شركات أخرى.
وكان المشروع جزءًا من محاولة إنشاء بنية مفتوحة نسبيًا للبرمجيات القائمة على المكونات.
وفي ذلك الوقت كانت Microsoft تمتلك تقنيات منافسة، أبرزها OLE، والتي تطورت لاحقًا ضمن تقنيات المكونات والتكامل في بيئة Windows.
ما علاقة Java بـ OpenDoc؟
وهذه تحديدًا نقطة مهمة لفهم الفيديو الشهير لستيف جوبز.
خلال جلسة أسئلة وأجوبة في WWDC 1997، تحدى أحد الحضور جوبز بسؤال تقني يتعلق بكيفية تعامل Java مع الأفكار الموجودة في OpenDoc.
لم يكن السؤال مجرد طلب لتعريف OpenDoc، وإنما جاء في وقت حساس للغاية بالنسبة إلى Apple.
فجوبز كان قد عاد إلى الشركة، وكانت Apple تمر بمرحلة إعادة تنظيم كبيرة، تضمنت التخلص من عدد من المشاريع والتركيز على مجموعة أصغر من المنتجات والتقنيات.
لماذا تخلت Apple عن OpenDoc؟
بعد عودة ستيف جوبز إلى Apple، اتجهت الشركة نحو تقليص عدد المشاريع والتركيز على التقنيات والمنتجات التي اعتبرتها أساسية لمستقبلها.
وكان OpenDoc من المشروعات التي لم تستمر ضمن هذا التوجه.
ولهذا يمكن فهم حدة السؤال الذي تلقاه جوبز في 1997؛ فبالنسبة لبعض المطورين الذين استثمروا وقتهم وجهدهم في تقنيات مثل OpenDoc، لم يكن إلغاء المشروع مجرد قرار داخلي عابر.
الرد الذي أصبح أشهر من OpenDoc نفسه
بدل الدخول في مواجهة شخصية مع صاحب السؤال، استخدم جوبز الموقف لشرح فلسفته في تطوير المنتجات.
وكان جوهر كلامه:
«عليك أن تبدأ من تجربة العميل، ثم تعمل إلى الخلف وصولًا إلى التكنولوجيا.»
وبعبارة أخرى، كان يرى أن الشركة لا ينبغي أن تبدأ بالسؤال:
ما التكنولوجيا الرائعة التي نمتلكها؟
ثم تبحث عن استخدام لها.
بل تبدأ بالسؤال:
ما التجربة أو الفائدة التي نريد تقديمها للعميل؟
ثم تختار التكنولوجيا المناسبة لتحقيقها.
هل كان OpenDoc مشروعًا فاشلًا؟
تجاريًا، لم يتحول OpenDoc إلى معيار واسع الاستخدام بالشكل الذي كان يأمله مؤيدوه، وانتهى المشروع منذ زمن طويل.
لكن هذا لا يعني أن الفكرة الأساسية وراءه كانت بلا قيمة.
فمفهوم تقسيم البرمجيات إلى مكونات مستقلة يمكن دمجها وإعادة استخدامها أصبح حاضرًا بأشكال مختلفة في هندسة البرمجيات الحديثة.
ولا يعني ذلك أن التقنيات الحديثة هي امتداد مباشر لـOpenDoc، وإنما أن الفكرة العامة التي حاول المشروع تطبيقها — بناء وظائف معقدة من مكونات أصغر وأكثر استقلالية — أصبحت مألوفة جدًا لاحقًا.
مشروع نُسي.. وسؤال بقي في التاريخ
اليوم لا يعرف معظم مستخدمي أجهزة Apple اسم OpenDoc، لكن الملايين شاهدوا المقطع الذي ذُكر فيه المشروع.
ومن المفارقات أن التقنية التي كان السؤال يدور حولها اختفت تقريبًا من الاستخدام، بينما بقي رد ستيف جوبز يُتداول بعد عقود باعتباره مثالًا على فلسفة تقول إن التكنولوجيا ليست نقطة البداية دائمًا؛ فالمنتج يبدأ بالمشكلة التي تريد حلها والتجربة التي تريد تقديمها للمستخدم.