اخترع الكاميرا الرقمية عام 1975.. لكن شركته خافت من اختراعه

تخيل أن تعمل في شركة تسيطر على عالم التصوير، ثم تخترع داخل مختبراتها تقنية ستغير التصوير إلى الأبد… لكن نجاح اختراعك قد يعني في الوقت نفسه نهاية المنتج الذي تجني منه شركتك أموالها.

هذا تقريبًا ما حدث مع المهندس الأمريكي ستيفن ساسون (Steven Sasson) داخل شركة كوداك في سبعينيات القرن الماضي.

البداية داخل مختبر كوداك

التحق ساسون بكوداك عام 1973 بعد دراسته الهندسة الكهربائية. وفي العام التالي طلب منه مشرفه، غاريث لويد، البحث في إمكانية استخدام تقنية إلكترونية حديثة آنذاك تُعرف باسم CCD لالتقاط الصور.

كان السؤال بسيطًا في ظاهره: هل يمكن التقاط صورة من دون فيلم فوتوغرافي؟

لكن الإجابة ستغير صناعة كاملة.

عمل ساسون على المشروع لنحو عام، وفي ديسمبر 1975 أصبح بين يديه جهاز غريب لا يشبه الكاميرات الأنيقة التي نعرفها اليوم.

كان كبيرًا، ثقيلًا، مليئًا بالدوائر الإلكترونية والأسلاك، ويستخدم عدسة مأخوذة من كاميرا Super 8، إضافة إلى 16 بطارية من النيكل والكادميوم.

ومع ذلك، نجح الجهاز في شيء مذهل: التقاط صورة وتحويلها إلى بيانات رقمية وتخزينها إلكترونيًا.

لقد وُلدت أول كاميرا رقمية مستقلة في العالم.

صورة بدقة تبدو مضحكة اليوم

الكاميرا لم تكن تلتقط صورًا بدقة 12 أو 50 أو 200 ميجابكسل مثل هواتف اليوم.

كانت دقتها نحو 10 آلاف بكسل فقط، أي 0.01 ميجابكسل، وكانت الصور بالأبيض والأسود. وكان النموذج الأولي بحجم يقارب محمصة الخبز ويزن نحو 8 أرطال، أي قرابة 3.6 كيلوغرام.

لكن جودة الصورة لم تكن أهم ما في الأمر.

الأهم أن ساسون أثبت أن التصوير لا يحتاج إلى فيلم من الأساس.

وهنا ظهرت المفارقة.

كوداك أمام اختراع يهدد كوداك

كانت كوداك واحدة من أكبر المستفيدين من عالم التصوير التقليدي. الناس يشترون الكاميرات، ثم يحتاجون باستمرار إلى أفلام التصوير وتحميض الصور وطباعتها.

أما كاميرا ساسون فكانت تشير إلى مستقبل مختلف تمامًا:

تصوير بلا فيلم.

صور تتحول إلى بيانات.

إمكانية مشاهدة الصور إلكترونيًا.

ومع تطور التقنية مستقبلًا، ربما لن يحتاج المستخدم إلى شراء أفلام التصوير بالطريقة التقليدية أصلًا.

وبحسب National Inventors Hall of Fame، كانت كوداك مترددة في تبني التقنية الجديدة بسبب قوة أعمالها في التصوير الفيلمي. واستمر ساسون لاحقًا في تطوير التصوير الرقمي، حتى طوّر مع زميله روبرت هيلز عام 1989 كاميرا DSLR رقمية مستقلة، لكن كوداك لم تطرحها تجاريًا آنذاك حفاظًا على مبيعات الأفلام.

المستقبل الذي كان داخل المختبر

المثير في القصة أننا نعرف اليوم ما لم يكن واضحًا للجميع في ذلك الوقت.

الكاميرا الرقمية لم تصبح مجرد بديل للفيلم.

بل انتقلت الكاميرا لاحقًا إلى الكمبيوتر، ثم إلى الهاتف المحمول، حتى أصبح مليارات البشر يحملون كاميرات رقمية في جيوبهم طوال الوقت.

نلتقط الصورة ونشاهدها فورًا، ونحذفها ونعدلها ونرسلها إلى شخص في الجانب الآخر من العالم خلال ثوانٍ.

والفكرة الأساسية وراء كل ذلك كانت موجودة بالفعل داخل مختبر كوداك منذ عام 1975.

حتى كوداك نفسها تسجل في تاريخها الرسمي أنها اخترعت أول كاميرا رقمية في العالم في ذلك العام.

والمفارقة الأكبر

لم تكن كوداك شركة لا تفهم التكنولوجيا الرقمية؛ بل كانت من الشركات التي ساهمت في تطويرها.

المشكلة الأشهر في قصتها كانت أصعب من ذلك: كيف تتبنى تقنية جديدة يمكن أن تلتهم نشاطًا تجاريًا ناجحًا تعتمد عليه بالفعل؟

وفي النهاية انتشر التصوير الرقمي وأصبح هو القاعدة، بينما تراجع سوق أفلام التصوير بشدة. وفي عام 2012 تقدمت كوداك بطلب للحماية من الإفلاس وإعادة الهيكلة في الولايات المتحدة.

أما ستيفن ساسون، فقد حصل لاحقًا على الميدالية الوطنية للتكنولوجيا والابتكار في الولايات المتحدة تقديرًا لاختراعه، وأُدرج اسمه في National Inventors Hall of Fame عام 2011.

الدرس الذي تركته الكاميرا الأولى

ربما تكون أغرب نقطة في قصة ساسون أن الاختراع الذي يهدد شركتك اليوم قد يكون هو نفسه الاختراع الذي سيحدد شكل صناعتك غدًا.

فالابتكار لا ينتظر دائمًا أن تكون الشركات مستعدة له.

وفي بعض الأحيان، لا يكون السؤال الأصعب: هل نستطيع اختراع المستقبل؟

بل:

هل نملك الشجاعة لتبنيه عندما يهدد حاضرنا؟