الدرن «السُّل».. مرض قديم ما زال موجودًا: كيف ينتقل وما أعراضه وهل يمكن الشفاء منه؟

يُعد الدَّرَن، أو السُّل (Tuberculosis – TB)، واحدًا من أقدم الأمراض المعدية التي عرفها الإنسان، ورغم التطور الكبير في الطب والمضادات الحيوية، فإنه لم يختفِ حتى اليوم.
ويرتبط اسم السل غالبًا بالرئتين والسعال المزمن، لكن المرض في الحقيقة يمكن أن يصيب أعضاء مختلفة من الجسم. والأهم أن الإصابة ببكتيريا السل لا تعني دائمًا أن الشخص مريض أو قادر على نقل العدوى، إذ توجد حالة تعرف باسم السل الكامن قد تظل دون أعراض لسنوات.
ما هو الدرن أو السل؟
السل مرض معدٍ تسببه بكتيريا تعرف باسم المتفطرة السُّلّية (Mycobacterium tuberculosis).
تدخل البكتيريا الجسم عادةً عن طريق الجهاز التنفسي، ولذلك تعتبر الرئتان أكثر أعضاء الجسم إصابة، إلا أنها تستطيع في بعض الحالات الانتقال إلى أماكن أخرى مثل العقد اللمفاوية والعظام والكلى والجهاز العصبي.
ويطلق على الإصابة خارج الرئتين اسم السل خارج الرئوي (Extrapulmonary TB).
كيف ينتقل مرض السل؟
ينتقل السل أساسًا عن طريق الهواء.
فعندما يكون شخص مصاب بالسل النشط في الرئتين أو الحنجرة قادرًا على نقل العدوى، يمكن أن يطلق البكتيريا في الهواء أثناء السعال أو الكلام أو العطس.
وتزداد احتمالية انتقال العدوى عند المخالطة القريبة والمستمرة، خصوصًا في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية.
لكن السل لا ينتقل عادةً بالطريقة نفسها التي تنتقل بها بعض الأمراض عن طريق لمس الأسطح أو المصافحة أو مشاركة الطعام.
هل كل شخص يحمل بكتيريا السل يكون مريضًا؟
لا، وهذه واحدة من أهم الحقائق المتعلقة بالمرض.
بعد دخول البكتيريا إلى الجسم يستطيع جهاز المناعة لدى كثير من الأشخاص السيطرة عليها ومنعها من التكاثر، وهنا تحدث حالة تسمى:
السل الكامن
في عدوى السل الكامنة (Latent TB Infection) تكون البكتيريا موجودة داخل الجسم، لكن الشخص:
لا يعاني أعراضًا، ولا يشعر بأنه مريض، ولا ينقل العدوى للآخرين.
ومع ذلك يمكن أن تنشط البكتيريا في وقت لاحق وتتحول الإصابة إلى مرض نشط، ولذلك قد يوصي الطبيب بعلاج العدوى الكامنة لبعض الأشخاص لمنع تطورها.
السل النشط
في مرض السل النشط (Active TB Disease) تتكاثر البكتيريا وتسبب أعراضًا فعلية.
وإذا كان السل النشط موجودًا في الرئتين أو الحنجرة، فقد يستطيع المصاب نقل العدوى إلى الآخرين.
ما أعراض السل الرئوي؟
يمكن أن تتطور أعراض السل تدريجيًا، ولذلك قد لا ينتبه إليها المصاب في البداية.
ومن أبرز الأعراض المحتملة:
- سعال مستمر لعدة أسابيع.
- خروج البلغم، وقد يصاحبه دم في بعض الحالات.
- ألم في الصدر.
- ارتفاع درجة الحرارة.
- التعرق الليلي.
- فقدان الشهية.
- فقدان الوزن دون سبب واضح.
- الشعور المستمر بالتعب والإرهاق.
- القشعريرة في بعض الحالات.
ولا تعني هذه الأعراض وحدها أن الشخص مصاب بالسل، لأنها قد تحدث مع أمراض أخرى، ويحتاج التشخيص إلى فحوص طبية.
هل يمكن أن يصيب السل أعضاء أخرى غير الرئتين؟
نعم.
يمكن لبكتيريا السل أن تصيب العقد اللمفاوية والعظام والمفاصل والكلى والأمعاء وأغشية الدماغ وأعضاء أخرى.
وتختلف الأعراض حينها حسب العضو المصاب.
فعلى سبيل المثال، قد يؤدي السل الذي يصيب العمود الفقري إلى آلام في الظهر، بينما قد يسبب السل الذي يصيب الجهاز العصبي أعراضًا مختلفة وأكثر خطورة.
من الأكثر عرضة للإصابة بالسل النشط؟
يمكن لأي شخص أن يصاب بالسل، لكن احتمال تحول العدوى الكامنة إلى مرض نشط يرتفع عندما تصبح قدرة جهاز المناعة على السيطرة على البكتيريا أضعف.
ويشمل ذلك بعض الأشخاص الذين يعانون أمراضًا أو حالات تؤثر في المناعة، وكذلك من يستخدمون بعض الأدوية المثبطة للمناعة.
كما تؤثر عوامل مثل سوء التغذية والتدخين وبعض الأمراض المزمنة في خطر الإصابة أو تطور المرض.
كيف يتم تشخيص السل؟
لا يعتمد تشخيص السل على الأعراض وحدها.
قد يستخدم الأطباء اختبار الجلد للسل (Tuberculin Skin Test) أو اختبارات الدم المعروفة باسم IGRA للمساعدة في معرفة ما إذا كان الشخص قد تعرض لبكتيريا السل.
لكن النتيجة الإيجابية لهذه الاختبارات لا تعني وحدها وجود مرض سل نشط.
إذا كان هناك اشتباه في السل النشط، فقد يحتاج المريض إلى أشعة على الصدر وفحص عينات من البلغم واختبارات مخبرية وجزيئية للكشف عن البكتيريا وتحديد مقاومتها لبعض الأدوية.
هل السل قابل للشفاء؟
نعم. معظم حالات السل الحساس للأدوية قابلة للعلاج والشفاء عند تشخيصها واستخدام الأدوية الصحيحة والالتزام بالعلاج.
لكن علاج السل يختلف عن علاج كثير من الالتهابات البكتيرية المعتادة؛ إذ يحتاج المريض عادةً إلى عدة أدوية في الوقت نفسه ولمدة تمتد لأشهر.
والسبب هو القضاء على البكتيريا بصورة فعالة وتقليل احتمال ظهور مقاومة للمضادات الحيوية.
لماذا يجب عدم إيقاف العلاج مبكرًا؟
قد يشعر المريض بتحسن واضح بعد بدء العلاج، لكن هذا لا يعني أن جميع البكتيريا اختفت.
إيقاف الأدوية أو تناولها بصورة غير منتظمة قد يسمح للبكتيريا المتبقية بالتكاثر مرة أخرى، كما قد يساهم في ظهور السل المقاوم للأدوية.
وعندها يصبح العلاج أكثر تعقيدًا وقد يحتاج إلى أدوية مختلفة وفترات علاج أطول.
لذلك يجب تناول العلاج تمامًا وفق الخطة التي يحددها الفريق الطبي.
ما هو السل المقاوم للأدوية؟
تستطيع بعض سلالات بكتيريا السل مقاومة واحد أو أكثر من الأدوية الرئيسية المستخدمة للعلاج.
وتعتبر مقاومة الأدوية من أكبر التحديات في مكافحة السل عالميًا، لأنها تجعل العلاج أكثر صعوبة.
ولهذا تجرى في بعض الحالات اختبارات لمعرفة الأدوية التي تستجيب لها البكتيريا قبل تحديد خطة العلاج المناسبة.
هل المصاب بالسل يظل معديًا طوال فترة العلاج؟
ليس بالضرورة.
مع العلاج الفعال تنخفض قدرة كثير من مرضى السل الرئوي على نقل العدوى، لكن المدة تختلف من حالة لأخرى حسب شدة المرض ونوع البكتيريا واستجابتها للأدوية.
لذلك لا ينبغي للمريض أن يقرر بنفسه أنه لم يعد معديًا؛ الطبيب والفحوص هما اللذان يحددان ذلك.
ما هو لقاح BCG؟
لقاح BCG هو أحد اللقاحات المستخدمة للوقاية من السل، ويعطى للأطفال في كثير من دول العالم.
لا يوفر اللقاح حماية كاملة من جميع أشكال السل، لكنه مهم خصوصًا في تقليل خطر الإصابة ببعض الأشكال الخطيرة من السل لدى الأطفال، مثل السل المنتشر والتهاب السحايا السلي.
وتختلف سياسات إعطاء اللقاح من دولة إلى أخرى بحسب معدل انتشار المرض وبرامج الصحة العامة.
هل يمكن أن يعود السل بعد الشفاء؟
نعم، رغم إمكانية الشفاء الكامل، يمكن في بعض الحالات أن تحدث إصابة جديدة في المستقبل أو يعود المرض لأسباب مختلفة.
ويقل خطر فشل العلاج أو عودة المرض عندما يتم تشخيص الحالة بصورة صحيحة ويكمل المريض العلاج الموصوف بالكامل.
متى ينبغي التفكير في إجراء فحص للسل؟
يستحق الأمر مراجعة الطبيب عند وجود سعال مستمر، خصوصًا إذا صاحبه فقدان وزن أو تعرق ليلي أو حمى أو خروج دم مع البلغم.
كما قد يوصى بالفحص عند المخالطة القريبة لشخص ثبتت إصابته بالسل النشط، حتى في حالة عدم وجود أعراض.
والكشف المبكر مهم ليس فقط لعلاج المريض، وإنما أيضًا للحد من انتقال العدوى إلى الآخرين.
هل ما زال السل موجودًا في عصرنا؟
نعم. ورغم أن توفر المضادات الحيوية واللقاحات وبرامج الكشف أدى إلى تقدم كبير في مكافحته، فإن السل لا يزال يمثل مشكلة صحية في العديد من مناطق العالم.
ولهذا تعتمد السيطرة عليه على الكشف المبكر، وعلاج المرضى، وفحص المخالطين عند الحاجة، وعلاج بعض حالات السل الكامن، والالتزام الكامل بالأدوية.
الخلاصة
الدَّرَن أو السل ليس مجرد «سعال قديم» ارتبط بالماضي، بل هو مرض بكتيري معدٍ ما زال موجودًا ويمكن علاجه والشفاء منه في معظم الحالات عند التعامل معه بصورة صحيحة.
والتمييز بين السل الكامن والسل النشط أمر أساسي؛ فالشخص المصاب بالعدوى الكامنة لا يعاني أعراضًا ولا ينقل العدوى، بينما يمكن للسل الرئوي النشط أن ينتقل عبر الهواء ويحتاج إلى علاج منتظم بمجموعة من الأدوية.
ويبقى التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج من أهم الأسلحة لمنع المضاعفات وانتقال العدوى وظهور سلالات مقاومة للأدوية.
تنبيه طبي: المعلومات الواردة في المقال للتثقيف الصحي ولا تستخدم لتشخيص السل أو تحديد علاجه. الاشتباه بالإصابة أو مخالطة حالة سل نشط يستدعي تقييمًا طبيًا وإجراء الفحوص المناسبة.