السِّيدّي في الهند.. أفارقة حافظوا على جذورهم بعد قرون في شبه القارة الهندية

وسط التنوع السكاني الهائل في الهند تعيش جماعة تبدو قصتها للوهلة الأولى غير متوقعة؛ فهم هنود وُلدوا وعاشوا في الهند منذ أجيال طويلة، ويتحدثون لغاتها ويتشاركون ثقافتها، لكن جذور جانب كبير من أسلافهم تمتد إلى إفريقيا جنوب الصحراء. إنهم السِّيدّي (Siddi)، ويُعرفون تاريخيًا كذلك باسم الحبشي أو Habshi.

وتنتشر تجمعات السِّيدّي بصورة خاصة في ولايات كارناتاكا وغوجارات، إضافة إلى مناطق أخرى من الهند. ومن بين أماكن وجودهم في كارناتاكا منطقة Mundgod التي ظهرت في المقطع المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي. وتشير دراسات أكاديمية إلى وجود تجمعات للسِّيدّي في Mundgod وYellapur ومناطق أخرى من كارناتاكا منذ أجيال.

من هم السِّيدّي؟

السِّيدّي ليسوا مهاجرين أفارقة حديثين إلى الهند، بل مجتمع هندي تعود جذوره الإفريقية إلى عدة قرون. وتوضح الدراسات الجينية أن أصولهم معقدة؛ إذ يحملون مكونات وراثية إفريقية وجنوب آسيوية، مع وجود أثر أوروبي لدى بعض المجموعات نتيجة التاريخ الطويل للاختلاط السكاني.

وترتبط أصولهم الإفريقية بصورة خاصة بجماعات تتحدث لغات البانتو في إفريقيا جنوب الصحراء. وقد وجدت دراسات جينية تقاربًا بين المكوّن الإفريقي لدى السِّيدّي وبعض جماعات البانتو في شرق وجنوب إفريقيا.

لكن من المهم عدم اختزال جميع السِّيدّي في أصل جغرافي إفريقي واحد؛ فقد حدث وصول الأفارقة إلى الهند عبر موجات وطرق مختلفة على مدى قرون.

كيف وصل الأفارقة إلى الهند؟

العلاقات بين الساحل الإفريقي وشبه القارة الهندية قديمة للغاية، إذ ربطت طرق التجارة عبر المحيط الهندي بين شرق إفريقيا والجزيرة العربية والهند.

وتشير السجلات التاريخية التي تناولتها الدراسات إلى وجود أفارقة في غرب الهند منذ نحو القرن الثاني عشر الميلادي على الأقل، ثم ازداد وجودهم خلال القرون التالية. بعضهم وصل في سياقات التجارة والعمل والخدمة العسكرية، بينما جُلب آخرون قسرًا ضمن تجارة الرقيق. وبحلول القرنين السادس عشر والتاسع عشر، لعب البرتغاليون دورًا كبيرًا في نقل أفارقة من مناطق جنوب شرق إفريقيا، بما فيها موزمبيق والمناطق المجاورة، إلى الهند.

وهذه نقطة مهمة في قصة السِّيدّي: لم يصل جميع أسلافهم إلى الهند بالطريقة نفسها.

فبعض الأفارقة كانوا جنودًا وبحارة وعمالًا وخدمًا، بينما وصل آخرون مستعبدين، ثم أصبح أحفاد هؤلاء بمرور القرون جزءًا من المجتمع الهندي.

من أي منطقة إفريقية جاءوا؟

حاول العلماء الإجابة عن هذا السؤال باستخدام الحمض النووي.

وأظهرت دراسة جينية واسعة أن السِّيدّي يرتبطون في أصولهم الإفريقية بالسكان الناطقين بلغات البانتو. وفي دراسة لاحقة نُشرت في Genome Biology and Evolution، استخدم الباحثون تحليلًا جغرافيًا للجينات، وأشارت النتائج إلى ارتباط المكوّن الإفريقي لعينات الدراسة بمناطق في جنوب وجنوب شرق إفريقيا، مع تموضع إحصائي قرب بوتسوانا والحدود الحالية مع زيمبابوي، كما ظهر تقارب وراثي مع بعض جماعات البانتو وشعب اللوهيا في كينيا.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تتوافق مع تاريخ تحركات شعوب البانتو داخل إفريقيا، ثم نقل مجموعات من جنوب شرق القارة عبر المحيط الهندي.

لذلك فعبارة «السِّيدّي جاءوا من كينيا» أو «من موزمبيق» وحدها تبسيط زائد؛ الأدلة تشير إلى تاريخ إفريقي متعدد المراحل.

ماذا حدث لهم بعد وصولهم؟

مع مرور الوقت لم يبق الأفارقة في الهند مجرد جماعات وافدة منفصلة، بل اندمجوا تدريجيًا في المجتمعات المحيطة بهم.

وتشير الدراسات الجينية إلى حدوث اختلاط واضح بين أسلاف السِّيدّي الأفارقة وسكان جنوب آسيا، وقدّرت إحدى الدراسات مرحلة مهمة من هذا الاختلاط بنحو ثمانية أجيال، أو قرابة 200 سنة، قبل تاريخ الدراسة.

وهذا يفسر لماذا تُعد هوية السِّيدّي اليوم هندية وإفريقية الجذور في الوقت نفسه؛ فلا يصح وصفهم ببساطة بأنهم «أفارقة يعيشون في الهند»، لأن كثيرًا من عائلاتهم تعيش هناك منذ مئات السنين.

السِّيدّي في كارناتاكا

من أشهر تجمعاتهم تلك الموجودة في ولاية كارناتاكا جنوب غربي الهند، وخصوصًا في مناطق تشمل Mundgod وYellapur.

وقد تناولت دراسات أنثروبولوجية هذه المجتمعات بوصفها مثالًا مميزًا على امتزاج عناصر إفريقية وهندية في تكوين الهوية الاجتماعية والثقافية.

وهذا هو على الأرجح المجتمع الذي يظهر في الفيديو المتداول المكتوب عليه:

Siddi community – Mundgod – Uttar Kannada

أي: مجتمع السِّيدّي في موندغود بمنطقة أوتارا كانادا في كارناتاكا.

هل ما زالوا يحتفظون بثقافة إفريقية؟

بعد قرون من الإقامة في الهند، أصبحت ثقافات السِّيدّي مرتبطة بقوة بالمناطق الهندية التي يعيشون فيها. ومع ذلك، اهتم الباحثون ببعض الممارسات الموسيقية والاحتفالية والشفهية التي يُعتقد أن لها صلات بالتراث الإفريقي.

واللافت أن الهوية ليست موحدة تمامًا بين جميع تجمعات السِّيدّي؛ فالمجتمعات الموجودة في كارناتاكا قد تختلف ثقافيًا ولغويًا ودينيًا عن تجمعات السِّيدّي في غوجارات وغيرها.

ولهذا فإن الحديث عن «ثقافة السِّيدّي» يعني في الحقيقة الحديث عن مجموعة من المجتمعات ذات أصل تاريخي متقارب، وليست كتلة ثقافية واحدة متطابقة.

ماذا تقول الجينات؟

تقدم الدراسات الجينية واحدًا من أقوى الأدلة على قصتهم.

فدراسة منشورة في American Journal of Human Genetics حللت مئات الآلاف من العلامات الوراثية، ووجدت أن السِّيدّي الذين شملتهم الدراسة يحملون مزيجًا من أصول إفريقية وجنوب آسيوية، وربما أوروبية، بينما دعمت تحليلات كروموسوم Y والحمض النووي للميتوكوندريا وجود صلات بأسلاف من جماعات البانتو في إفريقيا جنوب الصحراء.

وهكذا أصبحت جينات السِّيدّي بمثابة سجل تاريخي يروي جزءًا من رحلة بشرية بدأت في إفريقيا، وعبرت المحيط الهندي، ثم استقرت في شبه القارة الهندية.

أفارقة وصلوا إلى مراتب الحكم

وتكشف قصة الأفارقة في الهند جانبًا آخر لا يقل إثارة؛ فالأفارقة في شبه القارة لم يكونوا دائمًا في أدنى السلم الاجتماعي. فالمصادر التاريخية التي تناولت الأفارقة الهنود تشير إلى أدوار عسكرية وسياسية مهمة لعبها بعضهم عبر التاريخ، وتبدلت مكانتهم وتحالفاتهم بصورة كبيرة من عصر إلى آخر.

وهذا يجعل تاريخ السِّيدّي جزءًا من قصة أوسع كثيرًا هي تاريخ الوجود الإفريقي في الهند، وهي قصة لا تختصر في تجارة الرقيق وحدها.

هوية تشكلت بين قارتين

ربما يكون أكثر ما يميز السِّيدّي اليوم أن ملامحهم تذكّر بتاريخ إفريقي واضح، بينما حياتهم اليومية ولغاتهم وبلادهم وهويتهم الوطنية هندية تشكلت عبر قرون.

إنهم شاهد حي على أن حركة البشر بين إفريقيا وآسيا أقدم وأكثر تعقيدًا مما يتصوره كثيرون، وأن المحيط الهندي لم يكن حاجزًا يفصل القارتين، بل كان لقرون طويلة طريقًا للتجارة والهجرة والحروب وانتقال الثقافات والبشر.

وقصة السِّيدّي تحديدًا هي قصة أناس عبر أسلافهم البحر منذ مئات السنين، بعضهم طوعًا وبعضهم قسرًا، ثم صنع أحفادهم مجتمعًا جديدًا أصبح جزءًا من التنوع الاستثنائي للهند.